محمد بن جرير الطبري
190
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وافق طاعته ، ولم يخصص الله عز ذكره بالخبر عن بعض طاعاته ، ولا ذهاب بعض معاصيه ، بل عم الخبر عن مجئ جميع الحق ، وذهاب جميع الباطل ، وبذلك جاء القرآن والتنزيل ، وعلى ذلك قاتل رسول الله ( ص ) أهل الشرك بالله ، أعني على إقامة جميع الحق ، وإبطال جميع الباطل . وأما قوله عز وجل : وزهق الباطل فإن معناه : ذهب الباطل ، من قولهم : زهقت نفسه : إذا خرجت وأزهقتها أنا ومن قولهم : أزهق السهم : إذا جاوز الغرض فاستمر على جهته ، يقال منه : زهق الباطل ، يزهق زهوقا ، وأزهقه الله : أي أذهبه . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 17093 - حدثنا علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس إن الباطل كان زهوقا يقول : ذاهبا . وقوله عز وجل : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين يقول تعالى ذكره : وننزل عليك يا محمد من القرآن ما هو شفاء يستشفى به من الجهل من الضلالة ، ويبصر به من العمى للمؤمنين ورحمة لهم دون الكافرين به ، لان المؤمنين يعملون بما فيه من فرائض الله ، ويحلون حلاله ، ويحرمون حرامه فيدخلهم بذلك الجنة ، وينجيهم من عذابه ، فهو لهم رحمة ونعمة من الله ، أنعم بها عليهم ولا يزيد الظالمين إلا خسارا يقول : ولا يزيد هذا الذي ننزل عليك من القرآن الكافرين به إلا خسارا : يقول : إهلاكا ، لأنهم كلما نزل فيه أمر من الله بشئ أو نهى عن شئ كفروا به ، فلم يأتمروا لامره ، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه ، فزادهم ذلك خسارا إلى ما كانوا فيه قبل ذلك من الخسار ، ورجسا إلى رجسهم قبل ، كما : 17094 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه ولا يزيد الظالمين به إلا خسارا أنه لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه ، وإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا ) * . يقول تبارك وتعالى : وإذا أنعمنا على الانسان ، فنجيناه من رب ما هو فيه في البحر ،